العلامة المجلسي

358

بحار الأنوار

إلا احترق ، فلم يزل يحرقها ورعاءها حتى أتى على آخرها ، فلما فرغ منها تمثل إبليس براعيها ثم انطلق يؤم أيوب حتى وجده قائما يصلي ، فقال : يا أيوب ، قال : لبيك ، قال : هل تدري ما الذي صنع ربك الذي اخترته وعبدته بإبلك ورعائها ؟ قال أيوب : أيها إنها ماله أعارنيه وهو أولى به إذا شاء تركه ، وإن شاء نزعه ، وقديما ما وطنت نفسي ومالي على الفناء . فقال إبليس : فإن ربك أرسل عليها نارا من السماء فاحترقت كلها فترك الناس مبهوتين وقوفا عليها يتعجبون منها ، منهم من يقول : ما كان أيوب يعبد شيئا وما كان إلا في غرور ، ومنهم من يقول : لو كان إله أيوب يقدر على أن يصنع شيئا لمنع وليه ; ( 1 ) ومنهم من يقول : بل هو الذي فعل ما فعل يشمت به عدوه ويفجع به صديقه . قال أيوب : الحمد لله حين أعطاني وحين نزع مني ، عريانا خرجت من بطن أمي ، وعريانا أعود في التراب ، وعريانا أحشر إلى الله تعالى ، ليس ينبغي لك أن تفرح حين أعارك الله وتجزع حين قبض عاريته ، الله أولى بك وبما أعطاك ، ولو علم الله فيك أيها العبد خيرا لقبل روحك ( 2 ) مع تلك الأرواح ، فآجرني فيك وصرت شهيدا ، ولكنه علم منك شرا فأخرك الله وخلصك من البلاء كما يخلص الزؤان ( 3 ) من القمح الخالص ; فرجع إبليس لعنه الله إلى أصحابه خاسئا ذليلا فقال لهم : ماذا عندكم من القوة فإني لم أكلم قلبه ؟ قال عفريت من عظمائهم : عندي من القوة ما إذا شئت صحت صوتا لا يسمعه ذو روح إلا خرجت مهجة نفسه ، قال له إبليس فأت الغنم ورعاءها ، فانطلق يؤم الغنم ورعاءها حتى إذا توسطها صاح صوتا تجثمت أمواتا من عند آخرها ( 4 ) ومات رعاؤها ، ثم خرج إبليس متمثلا بقهرمان ( 5 ) الرعاء حتى جاء أيوب وهو قائم يصلي فقال له القول الأول ورد عليه أيوب الرد الأول . ثم إن إبليس رجع إلى أصحابه فقال لهم : ماذا عندكم من القوة فإني لم أكلم

--> ( 1 ) في المصدر : لمنع وليه من حريق مواشيه . ( 2 ) " " : لنقل روحك . ( 3 ) الزؤان : ما ينبت غالبا بنى الحنطة : وحبه يشبه حبها الا انه أصغر ، وإذا اكل يجلب النوم . ( 4 ) في المصدر : صاح صوتا ماتت منه الغنم جميعا . قلت : تجثم الطائر أو الرجل أو الحيوان تلبد بالأرض . ( 5 ) القهرمان : الوكيل أو أمين الدخل والخرج .